الشيخ محمد النهاوندي
49
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
جزاء الأعمال وابتلائنا بالعذاب . ثمّ لمّا كان غرضهم من السؤال الاستهزاء ، هدّدهم بما يشبه الجواب وليس بجواب بقوله : يَوْمَ هُمْ فيه عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ويعذّبون بها ، كما يفتن الذهب بالنار ويحرق خبثه . قيل : يعني يعرضون على النار كعرض المجرّب للذهب المذهّب عليها « 1 » ، كأنّهم يجرّبون عليها ، وتقول لهم خزنة جهنّم حين تعذيبهم : ذُوقُوا أيّها المنكرون للحشر فِتْنَتَكُمْ وعذابكم ، أو ما به امتحانكم وابتلاؤكم في الدنيا من العقائد والأعمال هذَا العذاب الَّذِي يتذوّقونه الآن ما كُنْتُمْ بِهِ في الدنيا تَسْتَعْجِلُونَ استهزاءا بالرسول وبإخبارنا به في كتابنا ، وسخرية منه حيث كنتم تقولون : متى هذا الوعد ، أو أيّان يوم الدين . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 15 إلى 18 ] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 15 ) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ( 16 ) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ( 17 ) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 18 ) ثمّ إنّه تعالى بعد بيان سوء عاقبة المشركين وشدّة عذابهم في الآخرة ، بيّن حسن عاقبة المتّقين والمجتنبين عن الشرك والكفر والعصيان في الدنيا ، المحترزين من عذاب اللّه في الآخرة بقوله : إِنَّ المؤمنين الْمُتَّقِينَ عن الشرك والعصيان في الدنيا ، متمكّنون في الآخرة فِي جَنَّاتٍ وبساتين ذات قصور وبهاء وبهجة لا يمكن توصيفها وَ في ظلال عُيُونٍ غريزة ، وأنهار جارية في أطرافهم بحيث يرونها ويفرحون بالنظر إليها حال كونهم آخِذِينَ وقابلين ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ بفضله من النّعم الجسام ، وراضين به لغاية جودته وكماله . قيل : في قوله : ما آتاهُمْ بصيغة الماضي ، دلالة على أنّ الإعطاء والتمليك كان في الدنيا ، والقبول والأخذ كان منهم في الآخرة « 2 » . ثمّ بيّن اللّه سبحانه علّة الإنعام على المتّقين بتلك النّعم العظيمة الجسمية بقوله : إِنَّهُمْ كانُوا في العالم الذي كان قَبْلَ ذلِكَ العالم ، وهو عالم الدنيا مُحْسِنِينَ في عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم ، فأعطوا بذلك أحسن الجزاء ، وكان من حسناتهم أنّهم كانُوا في الدنيا مقدارا وزمانا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ووقت نوم جميع الناس ما يَهْجَعُونَ وينامون ، وزمانا كثيرا منه يذكرون اللّه ، ويصلّون ويعبدون .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 28 : 199 . ( 2 ) . تفسير الرازي 28 : 201 .